اخرسووووووا!...

اخرسووووووا!...

اخرسووووووا!..... / الكاتبة : شغف

 

أذهب إلى مدرسة تعلم اللغة كل صباح، غير مستعدة لما قد يحصل هناك.

عدم استعدادي نابع من اللغة بحد ذاتها، إضافة إلى الأجواء التنافسية الدراماتيكية التي تهيمن على الدرس. إذ تمكن بعض الزملاء السوريين المجتمعين لتعلم لغة البلد الذي نقيم فيه، من تحويل كل حصة إلى جولة للفوز بلقب «عنا بسوريا هيك«.

طبعاً، يُخاض النقاش «بقلب ورب»، فيبذل كل طرف ما في وسعه لإثبات أن وجهة نظره هي الصحيحة.

قد تدور الجولة حول طبخة الملوخية، وهل تضاف إليها الكزبرة أم لا. (المحررة: فتة المكدوس خط أحمر يا جماعة، رِجاءً).

 

أما الموضوع السياسي، فقد تجاوز الزملاء فيه الشأن السوري، ربما لأن المواقف باتت معروفة على هذا الصعيد، وما عاد في هذا النقاش ما يثير الحماس والأكشن.

 

يستغرق الطريق عشرين دقيقة بواسطة الباص. في هذا اليوم تحديداً كنت متأخرة، حين انطلقت كان قد مضى على موعد بدء الدرس نصف ساعة.

طوال الطريق كنت أتذكر ما حصل في درس الأمس، الذي تمحور حول العادات والتقاليد هنا، في البلد الذي نقيم فيه.

كان من ضمن التمارين التي علينا حلّها، تكلّم كل شخص عن ثقافة بلده (المحررة: يا سلام سلّم، بلّش الفيلم).

 

قبل البدء حذرتنا المعلمة من أي حديث خارج ما هو مطلوب، (المسكينة باتت تفهم تماما آليات «الحوار» بيننا)، كما شدّدت على وجوب عدم التكلم باللغة العربية، مهما حصل، أولاً كي نتدرب على اللغة التي نتعلمها، وثانياً حتى تفهم ما يقال في صفها.

 

طبعاً، معلمتنا تلميذة نجيبة بدورها، وتحاول بجهد شخصي تعلم لغتنا، ويبدو أنها حفظت أهم الكلمات فيها.

بدأنا بالفعل. تكلم أحدنا عن أوقات الطعام، وأشار إلى عدم وجود مواعيد ثابتة لتناوله، خلافاً للمعتاد هنا، كما تكلم عن الأعياد وطقوسها.

كان جميع أبناء البلد موافقين على ما يقول، إلى أن ذكر أشهر الحلويات في منطقته، وهي حلاوة الجبن، وإذذذذ... تدخل زميل آخر مقاطعاً، وأكد للمعلمة بلغتها أن حلاوة الجبن من حلويات منطقته هو، لا منطقة المتكلم.

طبعاً كلو إلا حلاوة الجبن، والمتكلم الرئيسي ما هان عليه، وانبرى بحماس ليشرح بالعربية تاريخ حلاوة الجبن، بما يُثبت رأيه.

 

احتدم الجدال، وتداخلت الأصوات، إلى أن صرخت المعلمة الأجنبية، باللغة العربية: «اخرسووووا». (أرأيتم أنها حفظت أهم الكلمات؟)

خرسنا، ونحن نحاول التخلص من طعم حلاوة الجبن العالق بالذاكرة. قالت المعلمة بلغتها إننا سنكمل، ولو أن هذا التمرين ليس إلزامياً ومقرراً في الكتاب، لكانت ألغته (وريحت راسها)، ووجهت تنبيهاً أخيراً بوجوب عدم تكرار ما حدث.

 

حان دور الثانية، وكان الموضوع عن طقوس حفل الزواج. قالت المخلوقة إنها تزوجت في السادسة عشرة من عمرها، وتم الأمر عن طريق الأهل ولم تر زوجها قبل يوم الزفاف. قالت أيضاً إن أغلب صديقاتها تزوجن في المرحلة العمرية نفسها، ومن دون إكمال الدراسة، أو حتى السماح لهن بالعمل تبعاً لعادات منطقتها.

طبعاً المعلمة كانت مذهولة، وربما لم تستوعب إلى الان كيف يمكن لكل ما قيل أن يحدث.

أما أنا فشعرت بالضيق حين سمعت السيدة الزميلة، لأنها تحدثت عن تجربتها الشخصية وكأن هذا ما يحصل في كل مكان من سوريا، لكنني التزمت الصمت حسب تعليمات المعلمة، وانتظرت دوري للتعقيب على هذه النقطة، مع يأسي أساساً من إمكانية توضيح الصورة التي يعممها البعض لدى الأوروبيين، من دون أن أفهم دوافعهم. (المحررة: إنت ما في منك يا زميلة، غمزة).

 

انتقلنا إلى دور آخر، وكان مخصصاً للحديث عن..

بصراحة، لم أعرف عن شو، فقد قاطعته إحداهن بعد فشلها على ما يبدو في السيطرة على غضبها، ووجهت كلامها للآخرين باللغة العربية:

«حاج تصدروا صورة غلط، نحن مو كلنا هيك، بدكن تحكوا احكوا عن حالكن. أنا ما تربيت هيك ولا عشت هيك وكتار متلي».. إلخ، إلخ.

ظلت المعلمة صامتة إلى أن انتهت الزميلة، ثم اعتذرت وغادرت الصف من دون إكمال الدرس. (المحررة: بالله عليك يا زميلة، ما رحتوا بعدين احتفلتوا كلكم سوا بإلغاء الدرس؟)

 

كل هذا حصل أمس كما أخبرتكم. أما اليوم، فقد وصلت أخيراً وأنا متوترة، لأنها المرة الأولى التي أتأخر فيها (المحررة: أحم أحم).

دخلت المدرسة، واتجهت نحو القاعة التي نأخذ فيها الدرس عادة، لكنها كانت خالية.

اعتقدت أنهم انتقلوا إلى قاعة أخرى فهذا يحصل أحياناً، بعثت رسالة إلى مجموعة الصف على تطبيق واتس أب، لتجيبني زميلتي برسالة خاصة تقول فيها إن الدرس ألغي قبل أن يبدأ أساساً، وتم تأجيله إلى حين تنظيم المواعيد مع معلمة أخرى، لأن المعلمة قررت اليوم الانسحاب نهائياً.

سألت عن سبب قرار المعلمة، فردت «علقت خناقة، وتضاربوا. كان الحديث عن أردوغان«.

------------
الصورة
: Vladimir Khakhanov -  (كارتون موفمينت)

عن موقع صوت سوري   https://www.sot-sy.com/article/208